أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

65

نثر الدر في المحاضرات

كتب معاوية إلى أبي موسى بعد الحكومة - وهو يومئذ بمكة عائذ بها من علي عليه السلام ، وإنما أراد بكتابه أن يضمّه إلى الشام - : « أما بعد ؛ فإنه لو كانت النية تدفع خطأ لنجا المجتهد ، وأعذر الطالب ، ولكنّ الحقّ لمن قصد له فأصابه ، ليس لمن عارضه فأخطأه . وقد كان الحكمان إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما . وقد اختار القوم عليك ، فأكره منهم ما كرهوا منك ، فأقبل إلى الشام فهي أوسع لك . فكتب أبو موسى إليه : أما بعد ؛ فإني لم أقل في عليّ إلا بما قال صاحبك فيك . إلّا أني أردت ما عند اللّه ، وأراد عمرو ما عندك ، وقد كانت بيننا شروط ، والشّورى عن تراض ، فلما رجع رجعت ، فأما الحكمان وأنّه ليس للمحكوم عليه الخيار ، فإنما ذلك في الشاة والبعير ؛ فأمّا في أمر هذه الأمة فليس أحد آخذا لها بزمام ما كرهوا ، وليس يذهب الحقّ لعجز عاجز ولا مكيدة كائد . وأما دعاؤك إياي إلى الشام ، فليست بي رغبة عن حرم إبراهيم عليه السلام . فلما بلغ عليّا عليه السلام قوله رقّ له ، وأحبّ أن يضمّه إليه ، فكتب إليه : أما بعد ؛ فإنك رجل أمالك الهوى ، واستدرجك الغرور . ولما هجّن أبو موسى فرس حجل بن نضلة قال له حجل : أنت بالبقر أبصر . قال أبو موسى : أما إنّك إذا أصبتها صغيرة الرأس لطيفة الأذن دقيقة القرن ، سابغة الغبب « 1 » ، واسعة الجفرة « 2 » ، رقيقة الذنب فإنّها ممّا تكون كريمة . ابن عمر « 3 » كتب إليه رجل يسأله عن العلم ؛ فأجابه : إنّك كتبت تسأل عن العلم .

--> ( 1 ) الغبب : اللحم المتدلي تحت الذقن . ( 2 ) الجفرة : مجمع البطن والأمعاء . ( 3 ) ابن عمر : هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ، أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني . أسلم قديما مع أبيه ولم يبلغ الحلم ، وقد استصغر يوم أحد ، فلما كان يوم الخندق